ابن عطاء الله السكندري
القسم الثاني 34
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
--> - قيل كلّ معرفة وعلم فإما تصوّر أو تصديق . ومنها التصوّر وعلى هذا يسمى التصديق علما . ومنها إدراك البسيط سواء كان تصوّرا للماهية أو تصديقا بأحوالها ، وإدراك المركّب سواء كان تصوّرا أو تصديقا ، على هذا الاصطلاح يخصّ بالعلم ، فبين المعرفة والعلم تباين بهذا المعنى ، وكلاهما أخص من العلم بمعنى الإدراك مطلقا ، وكذا الحال في المعنى الثاني للمعرفة والعلم . وبهذا الاعتبار يقال عرفت اللّه دون علمته . ومناسبة هذا الاصطلاح بما نسمعه من أئمة اللغة من حيث إن متعلّق المعرفة في هذا الاصطلاح وهو البسيط واحد ومتعلّق العلم وهو المركّب متعدد ، كما أنهما كذلك عند أهل اللغة وإن اختلف وجه التعدد والوحدة ، فإن وجه التعدد والوحدة في اللغوي يرجع إلى تقييد الاسم الأول بإسناد أمر إليه وإطلاقه عنه ، سواء كان مدخوله مركّبا أو بسيطا ، وفي الاصطلاحي إلى نفس المحكوم عليه . فإن كان مركّبا فهو متعلق العلم وإن كان بسيطا فمتعلّق المعرفة . ومنها إدراك الجزئي سواء كان مفهوما جزئيا أو حكما جزئيا ، وإدراك الكلّي مفهوما كليا كان أو حكما كليا على هذا الاصطلاح يخصّ بالعلم ، وبالنظر إلى هذا يقال أيضا عرفت اللّه دون علمته ، والمراد بالحكم التصديق ، هذا والأقرب أن يجعل استعمال المعرفة في التصورات والعلم في التصديقات أصلا لأنه عين المعنى اللغوي ثم يفرّع عليه المعنيان الآخران ، ومنها إدراك الجزئي عن دليل كما في التوضيح في تعريف الفقه ويسمى معرفة استدلالية أيضا . ومنها الإدراك الأخير من الإدراكين لشيء واحد إذا تخلّل بينهما عدم بأن أدرك أولا ثم ذهل عنه ثم أدرك ثانيا . قيل المراد بالذهول هو ما يفضي إلى نسيان محوج إلى كسب جديد وإلا فالحاصل بعد الذهول التفات لا إدراك إلا مجازا . والحق أن الذهول زوال الصورة عن المدركة فيكون الموجود بعده إدراكا ، وإن كان بلا كسب جديد . ومنها الإدراك الذي هو بعد الجهل ويعبّر عنه أيضا بالإدراك المسبوق بالعدم والعلم يقال للإدراك المجرد من هذين الاعتبارين بمعنى أنه لم يعتبر فيه شيء من هذين القيدين ، وبالنظر إلى هذه المعاني الثلاثة يقال : اللّه تعالى عالم ولا يقال عارف ، إذ ليس إدراكه تعالى استدلاليا ولا مسبوقا بالعدم ولا قابلا للذهول ، والنسبة بين المعرفة والعلم بهذين المعنيين هي العموم مطلقا ، ومنها ما هو مصطلح الصوفية . قال في مجمع السلوك : المعرفة لغة العلم ، وعرفا العلم الذي تقدّمه نكرة . وفي عبارة الصوفية العلم الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات اللّه تعالى وصفاته ، ومعرفة الذات أن يعلم أنه تعالى موجود واحد فرد وذات وشيء وقائم ولا يشبه شيئا ولا يشبهه . وأما معرفة الصفات فأن يعرف اللّه تعالى حيا عالما سميعا بصيرا مريدا متكلما إلى غير ذلك من الصفات . وإنما لا تطلق المعرفة على اللّه تعالى لأنها في الأصل اسم لعلم كان بعد أن لم يكن ، وعلمه تعالى قديم . ثم المعرفة إما استدلالية ، وهو استدلال بالآيات على خالقها لأن منهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء ، وهذه المعرفة على التحقيق إنما تحصل لمن انكشف له شيء من أمور الغيب حتى استدل على اللّه تعالى بالآيات الظاهرة والغائبة ، فمن اقتصر استدلاله بظاهر العالم دون باطنه فلم يستدل بالدليلين فتعطّل استدلاله بالباطن وهي درجة العلماء الراسخين في العلم . وأما شهودية ضرورية وهو الاستدلال بناصب الآيات على الآيات ، وهي درجة الصّدّيقين وهم أصحاب المشاهدة . قال بعض المشايخ : رأيت اللّه قبل كل شيء وهو عرفان الإيقان والإحسان ، فعرفوا كل شيء به لا أنهم عرفوه بشيء انتهى . ويقرب من هذا ما في شرح القصيدة الفارضية من أنّ -